الثلاثاء، 7 مايو، 2013

فعل الأنوثة الأولي



اقرأوا معي هذا المشهد
طفلة صغيرة تلعب الـ "سيجه" مع جيرانها فوق سطح بيتهم
تمرح.. تضحك.. تحتدم المنافسة بينها وبين جارها الصغير، تجلس "عفاف" على الأرض متربعة تولي اهتمامها للمباراة امامها.. وإذا فجاة تشعر بشيء ما يسيل منها
دماء تلوث ثيابها.. تنساب من بين ساقيها لتلوث رقعة السيجة.. الاطفال يصرخون.. انها تبول دما
يركض الطفل الساكن في الطابق اسفل السطح ليحضر اباه، ويفهم الأب ماحدث بنظرة واحدة.. يهدئ من روع الطفلة ويحملها لدارها
تستقبلها الأم بعدما سمعت القصة من أفواه الاطفال الذين رددوها على الجميع الف مرة.. انها تبول دما.. والطفلة مذعورة مذعورة.. تشعر أنها ارتكبت خطأ.. أفسدت شيئا في جسدها لا تعلمه.. تبكي بحرقة الصدمة الأولى التي وارتها عنها امها.. امها التي بدت على شفتيها ابتسامة خفيفة.. ولسان حالها يقول: مرحبا بك في عالم الموصومين.
تركها الجار في دارها وولى دونما كلمة واحدة.. عندها خرج الاب من الحمام بصابون الحلاقة يغطي نصف ذقنه، يبدو كشيطان آت من الجحيم
"يابنت الكلب".. وهو يخلع الخف من قدمه
"يابنت الكلب".. وهو يحاصرها فى ركن الحجرة
"يابنت الكلب".. وهو ينهال على وجهها وصدرها وكل ماطالته يداه بالخف
والطفلة تصرخ وتصرخ.. كل ما تبادر في ذهنها أنها افسدت شيئا لا يمكن اصلاحه.. انها تعاقب على مالم تعلم بعد ماهو
تحاول الام أن تذود عنها.. فتنالها الضربات
عاقبها الأب لأنها ارتكبت فعل الانوثة الأولي أمام شهود من الذكور
ذكور شهدوا فضيحة خروج طفلة من عالم اللامحدودية إلى عالم تحديد الهوية الجنسية..
تلك الهوية التي مافتئ البعض يتمنون لو اختفت من على ظهر البسيطة.. حبسا أو كبحا أو قهرا أو وأدا.. لا فارق..
كانت تعاقب المسكينة لأنها ولدت انثى
كان هذا المشهد وصفا لاحدى مشاهد رواية "السنجة" للعظيم احمد خالد توفيق
لا أدري لم اثار هذا المشهد حفيظتي للكتابة
أشعر بألم الانثى المغدورة عشر مرات على الاقل.. مغدورة في حقها للمعرفة، ومغدورة في معاقبتها على أنوثتها، ومغدورة في كافة فصول حياتها الآتية وحتى مماتها.. حين علمت أنها انثى بالطريقة الصعبة.

أقرأ هذا وأتذكر .. كيف كانت صدمة أنوثتي الأولى
أذكرها تلك الليلة.. أرتدي ثيابي السود التي فرضها علي هذا المجتمع المغلق استعدادا للذهاب إلى الحديقة.. غدا يوم عطلة وهذا هو المتنفس الوحيد لنا كعائلة.
لم أشعر بأي شيء.. فقط دخلت دورة المياة قبل ان أترك المنزل، وهناك رايت دلائل اكتمال أنوثتي الاولى تتبدى على استحياء
لم أصدم.. لم ارتبك.. بل والحق يقال كنت في انتظار تلك اللحظة.. بعد عمليات الاعداد النفسي التي خضعت لها على مدى عام كامل -  مذ أن لاحظت استطالة جسدي وانفجار وجهي بتلك الزوائد السخيفة التي تزيدني بشاعة - على يد أمي ومعلمتي بالمدرسة.
كان حديثنا نحن فتيات المدرسة يتحاشى دائما مثل تلك الأمور، وإن حاولت معلمة التربية الدينية أن تمهد لهذه المرحلة من حياتنا بشكل منهجي مطمئن، تصاعدت صيحات الاستنكار.. حتى أن من كانت تستقبل دروس المعلمة بجنان ثابت أمسى ضدها دليل إدانة لا يقبل الشك أنها صارت موصومة بفعل الانوثة الاولي.
كان يسيطر علينا الخجل.. رهبة الانتقال من عالم الطفولة اللامحدود إلى عالم يتم تصنيفك فيه حسب هويتك الجنسية..  عالم آخر لم ندر كنهه بعد، تتحفظ الامهات والشقيقات الكبريات حال الحديث عنه.. الكثيرات لو لم يتم إعدادهن في المدرسة كما حدث معي لصارت صدماتهن عنيفة للغاية كصدمة طفلتنا المسكينة "عفاف".
أتذكر يومي الاول.. ناديت أمي لأخبرها.. تقبلت الأمر ببساطة وكأنه شيء يحدث كل يوم، أعطتني ما يقي ثيابي من الاتساخ، وقالت هيا إلى الحديقة.
ذهبت حينها وكل ماكان يسيطر على عقلي فكرة واحدة.. أنا لم أعد طفلة.. ماذا سافعل؟... ماهو احساسي الان؟؟
هل ستعاف نفسي اللعب مع اصدقائي في الحديقة هذا اليوم؟؟.. هل ستقودني قدماي لا إراديا حيث تمجلست حلقات الكبار لأحذو حذوهن؟
هل سأستمتع مثلهن بجلسات النميمة والجلوس متخشبة لعدة ساعات على البساط الأرضي فوق أعشاب الحديقة؟؟
أقلقتني هذه الفكرة... أريد أن ألعب.. أريد أن أركض.. أريد أن أذهب حيث شئت وأتعارك مع الصبية.. كيف سافعل هذا اليوم وقد غدوت فتاة كبيرة؟.. هل سأضحي بكل مباهج حياتي الآن؟... كلا؛ إن هذا لن يكون.
وحينها اتخذت قراري حالما وصلت إلى الحديقة.. ركضت كما لم اركض من قبل، لعبت كل الألعاب التي طالتها يداي وقدماي، كان نشاطا مبالغا فيه فقط لأثبت لنفسي أن الطفولة اختيار.. وقد كانت هي اختياري.
وان لم يمنعني هذا من الاستمتاع بممارسة دور الناضجة على بقية الأطفال.. حين جمعتهم في حلقة كما الكبار.. لأقص عليهم قصص الأشباح والعفاريت وما يشاع عن مدرستي من وجود جثث متحللة تطوف الطرقات الخالية ليلا..
كنت سعيدة بشكل ما.. واثقة من نفسي، طمأنتني أمي حينما تعاملت معي بهدوء وبساطة.. فقط افعلي هذا واحذري من ذاك.. وحين دار كوكبنا حول نفسه عدة مرات آذنا باختلاف الحال.. علمتني أمي كيف أتخلص من آثار فعل الأنوثة الأولي.. كنت سعيدة بانتهاء التجربة.. حتى أنني أوصيت أبي يومها عدة مرات ألا ينسى أن يوقضني لصلاة الفجر كما اعتاد منذ بلوغي سن المدرسة.
تمر الأشهر.. وألاحظ تدريجيا الاختلافات تطرأ على سلوكي.. صرت أثقل حركة، وأكثر ميلا للهدوء.. وكل ماكنت اخافه وأهابه من افتقادي للعب مع الصبية في الحديقة اصبح مرحبا به في حياتي الجديدة.. اختلفت صداقاتي وإن لم أتخلص تماما من الطفولة الكامنة بداخلي..
اتذكر هذه المرحلة من عمري الآن وأنا على أعتاب نهاية عقدي الثالث.. كبيرة؛ أجل.. ناضجة؛ ربما.. عاقلة؛ لا أتوقع هذا كثيرا.. لكني أعلم أن بداخلي لازالت تلك الشيطانة الصغيرة التي تهوى الركض والقفز والمشي على الأسوار وإخافة الصبية بحكاياتها عن العفاريت
هل يتقدم بي العمر للامام أم يعود للخلف؟؟
حقيقة لا ادري ولا اهتم.. المهم أنني سعيدة
سعيدة بنفسي .. حتى لو نظر لي العالم على أني موصومة بعار الانوثة.. لن أهتم
فمنذ متى اهتمت الشمس بشهيب اخترق غلاف جوها.. بل أحرقته !!
قد يعترض الكثير على مثل هذا المقال.. قد يصرخ البعض بوجهي.. مافائدة الكلام في مثل "هذه الأشياء"؟؟؟.. نحن مجتمع محافظ لا يجوز أن نصرح بمثل "تلك الأشياء" الفاضحة على الملأ.
حينها سأجمع كل هؤلاء في زاوية ما.. لأضع عليهم بطاقة كتب عليها: هؤلاء هم السبب.. حاكموهم بذنب "عفاف" وكل عفاف تعيش في عالمنا
فما ذنب لنا إلا أن تواجدنا على ظهر الأرض مع أمثالهم في نفس التوقيت.

6 حط دماغك:

P A S H A يقول...

هو بصراحة أنا قريت البوست بس مش لاقي تعليق !!
بس في رأيي أن قصة أحمد خالد توفيق فجة .

سؤال مهم جداً على جنب بعد إذنك :
على يمين المدونة عند حضرتك فيه عداد الزوار اللي هو مكتوب فوقيه "اللي زادوا بيتي نور" .. السؤال بقى : هل هو بيتهز ولا أنا اللي باشتغل نفسي ؟؟
D:
خالص تحياتي

وينكى يقول...

اهلا باشا
الرواية لما قريتها سببتلي معاناه نفسية بصراحة وجابتلي اكتئاب
يمكن البوست ده مجرد انفعال بجزء منها
مقدرة طبعا ان مفيش تعليق عليها :)
بالنسبة لعداد الزوار انا ابصم باعشرين انه فيه حاجة غلط وكل مرة ببص عليه بلاقي ارقام عجيبة

سيبك منه سيبك منه :)

منورني بزيادة :D

حسن ارابيسك يقول...

وينكي الرائعة
اتمنى تكوني بخير يارب
وأعتذر عن فترة انقطاعي
اما بشأن تدوينتك فهي بلا شك رائعة
والحقيقة على المستوى العربي هناك جانب بلا شك فيه الاعداد النفسي ضعيف جداً
لذلك عمق تدوينتك حول تلك المسألة له قيمة ثرية جدا لو قدر لكثيرون أن يطلعوا عليه
تحياتي
حسن ارابيسك

3ylshaky يقول...

فاكراني؟
أنا عايز الفيس بوك بتاعك ,, ابعتيلي هنا :)
https://www.facebook.com/MohamedRaafat0

لو مفتكرتنيش هكون زعلان جداً جداً :(

3ylshaky يقول...

لازم لازم تفتكريني :)

يا مراكبي يقول...

دائماً ما أقول أن الأهم هو أن تكون الفتاة مًتصالحة مع نفسها ومًحبة لأنوثتها بكافة ملامحها وتبعاتها، فالإستقرار النفسي والتعامل مع كونها أُنثى دون ضيق أو تضييق هو السبيل لحياة نفسية سليمة، وما عدا ذلك فهو آفة للمجتمع ككل وليس للفتاة فقط